23-المؤمنون
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
{قد أفلح المؤمنون} سعد المصدقون، ونالوا البقاء في الجنة.
الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ
{الذين هم في صلاتهم خاشعون} ساكنون لا يرفعون أبصارهم عن مواضع سجودهم.
وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ
{والذين هم عن اللغو معرضون} عن كل ما لا يجمل في الشرع من قول وفعل.
وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ
{والذين هم للزكاة فاعلون} للصدقة الواجبة مودون.
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ
{والذين هم لفروجهم حافظون} يحفظونها عن المعاصي.
إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ
{إلا على أزواجهم} من زوجاتهم {أو ما ملكت أيمانهم} من الإماء {فإنهم غير ملومين} لا يلامون في وطئهن.
فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ
{فمن ابتغى} طلب ما {وراء ذلك} ما بعد الزوجة والأمة {فأولئك هم العادون} المتعدون عن الحلال إلى الحرام.
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ
{والذين هم لأماناتهم} ما أئتمنوا عليه من أمر الدين والدنيا {وعهدهم راعون} وحلفهم الذي يوجد عليهم راعون، يرعون ذلك ويقومون بإتمامه.
وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ
{والذين هم على صلواتهم يحافظون} بأدائها في مواقيتها.
أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ
{أولئك هم الوارثون} ثم ذكر ما يرثون فقال:
الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
{الذين يرثون الفردوس} وذلك أن الله تعالى جعل لكل امرئ بيتاً في الجنة، فمن عمل عمل أهل الجنة ورث بيته في الجنة، والفردوس خير الجنان.
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ
{ولقد خلقنا الإنسان} ابن آدم {من سلالة} من ماء سل واستخرج من ظهر آدم، وكان آدم عليه السلام خلق من طين.
ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ
{ثم جعلناه} جعلنا الإنسان {نطفة} في أول بدو خلقه {في قرار مكين} يعني: الرحم. وقوله.
ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ
{ثم أنشأناه خلقا آخر} قيل: يريد الذكورية والأنوثية. وقيل: يعني: نفخ الروح. وقيل: نبات الشعر والأسنان {فتبارك الله} استحق التعظيم والثناء بدوام بقائه {أحسن الخالقين} المصورين والمقدرين.
ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ
{ثم إنكم بعد ذلك لميتون}.
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ
{ثم إنكم يوم القيامة تبعثون}.
وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ
{ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق} سبع سماوات، كل سماء طريقة {وما كنا عن الخلق غافلين} عمن خلقنا من الخلق كلهم.
وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ
{وأنزلنا من السماء ماء بقدر} بمقدار معلوم عند الله تعالى {فأسكناه} أثبتناه {في الأرض} قيل: هو النيل ودجلة، والفرات، وسيحان وجيحان. وقيل: هو جميع المياه في الأرض {وإنا على ذهاب به لقادرون} حتى تهلكوا أنتم ومواشيكم عطشاً. وقوله:
فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ
{فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون}.
وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ
{وشجرة تخرج} يعني: الزيتون {من طور سيناء} يعني: جبلاً معروفاً، أول ما ينبت الزيتون ينبت هناك {تنبت بالدهن} لأنه يتخذ الدهن من الزيتون {وصبغ} إدام {للآكلين}. وقوله:
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ
{وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون}.
وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ
{وعليها وعلى الفلك تحملون}.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ
{ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره}.
فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ
{يريد أن يتفضل عليكم} يتشرف عليكم، فيكون أفضل منكم بأن يكون متبوعاً، وتكونوا له تبعاً {ولو شاء الله لأنزل ملائكة} تبلغنا عنه {ما سمعنا بهذا} الذي يدعو إليه نوح {في آبائنا الأولين}.
إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ
{إن هو} ما هو {إلا رجل به جنة} جنون {فتربصوا به حتى حين} انتظروا موته حتى يموت.
قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ
{قال رب انصرني} بإهلاكهم {بما كذبون} بتكذيبهم إياي. وقوله:
فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ
{فأوحينا إليه} الآية. مفسرة في سورة هود. {فاسلك فيها} أي أدخل في السفينة، والباقي مفسر في سورة هود.
فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
{فإذا استويت} اعتدلت في السفينة راكباً. الآية.
وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ
{وقل رب أنزلني} منها {منزلا} إنزالاً {مباركا} فاستجاب الله تعالى دعاءه حيث قال: {اهبط بسلام منا وبركات عليك} وبارك فيهم بعد إنزالهم من السفينة، حتى كان جميع الخلق من نسل نوح ومن كان معه في السفينة.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ
{إن في ذلك} الذي ذكرت {لآيات} لدلالات على قدرتنا {وإن كنا لمبتلين} مختبرين طاعتهم بإرسال نوح إليهم.
ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ
{ثم أنشأنا من بعدهم} أحدثنا {قرنا آخرين} يعني: عاداً.
فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ
{فأرسلنا فيهم رسولا منهم} وهو هود. وقوله:
وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ
{وأترفناهم} أي: نعمناهم ووسعنا عليهم. وقوله:
وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ
{ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون}.
أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ
{أنكم مخرجون} أي: من قبوركم أحياء.
هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ
{هيهات هيهات} بعداً {لما توعدون} من البعث.
إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
{إن هي} ما هي {إلا حياتنا الدنيا} يعني: الحياة الدانية في هذه الدار {نموت ونحيا} يموت الآباء، ويحيا الأولاد.
إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ
{إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين}.
قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ
{قال رب انصرني} عليهم {بما كذبون} بتكذيبهم إياي.
قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ
{قال عما قليل} عن قريب {ليصبحن نادمين} يندمون إذا نزل بهم العذاب على التكذيب.
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
{فأخذتهم الصيحة} صيحة العذاب {بالحق} بالأمر من الله تعالى {فجعلناهم غثاء} هلكى هامدين كغثاء السيل، وهو ما يحمله من بالي الشجر {فبعدا} فهلاكاً {للقوم الظالمين} المشركين.
ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آَخَرِينَ
{ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين}.
مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ
{ما تسبق من أمة أجلها} لا تموت قبل أجلها {وما يستأخرون} بعد الأجل طرفة عين. وقوله:
ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ
{تترا} أي: متتابعةً {وجعلناهم أحاديث} أي: لمن بعدهم يتحدثون بهم.وقوله:
ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ
قال تعالى {ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين}.
إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ
{وكانوا قوما عالين} مستكبرين قاهرين غيرهم بالظلم.
فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ
{وقومهما لنا عابدون} أي: مطيعون متذللون.
فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ
{فكذبوهما فكانوا من المهلكين}.
وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ
{ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون} لكي يهتدي به قومه.
وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ
{وجعلنا ابن مريم وأمه آية} دلالةً على قدرتنا {وآويناهما إلى ربوة} يعني: بيت المقدس، وهو أقرب الأرض إلى السماء {ذات قرار} أرض مستوية، وساحة واسعة {ومعين} ماء ظاهر. وقيل: هي دمشق.
يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
{يا أيها الرسل كلوا من الطيبات} هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به أن الله تبارك وتعالى كأنه أخبر انه قد قال لجميع الرسل قبله هذا القول وأمرهم بهذا، والمعنى: كلوا من الحلال.
وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ
{وإن هذه أمتكم أمة واحدة} أي: ملتكم أيها الرسل ملة واحدة، وهي الإسلام {وأنا ربكم} شرعتها لكم وبينتها لكم {فاتقون} فخافون.
فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
{فتقطعوا أمرهم بينهم} يعني: المشركين واليهود والنصارى {وزيرا} فرقاً {كل حزب} جماعة {بما لديهم} بما عندهم من الدين {فرحون} معجبون مسرورون.
فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ
{فذرهم في غمرتهم} حيرتهم وضلالتهم {حتى حين} يريد: حتى حين الهلاك بالسيف أو الموت.
أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ
{أيحسبون أنما نمدهم به} ما نبسط عليهم {من مال وبنين} من المال والأولاد في هذه الدنيا.
نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ
{نسارع لهم في الخيرات} نعطيهم ذلك ثواباً لهم {بل لا يشعرون} أن ذلك استدراج، ثم رجع إلى ذكر أوليائه فقال:
إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ
{إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون} خائفون عذابه ومكره.
وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ
{والذين هم بآيات ربهم يؤمنون}.
وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ
{والذين هم بربهم لا يشركون}.
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ
{والذين يؤتون ما آتوا} يعطون ما يعطون {وقلوبهم وجلة} خائفة أن ذلك لا يقبل منهم، وقد أيقنوا أنهم إلى ربهم صائرون بالموت. وقوله:
أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ
{وهم لها سابقون} أي: إليها، ثم ذكر أنه لم يكلف العبد إلا ما يسعه، فقال:
وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
{ولا نكلف نفسا إلا وسعها} فمن لم يستطع أن يصلي قائماً فليصل جالساً {ولدينا كتاب} يعني: اللوح المحفوظ {ينطق بالحق} يبين بالصدق {وهم لا يظلمون} لا ينقصون من ثواب أعمالهم، ثم عاد إلى ذكر المشركين فقال:
بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ
{بل قلوبهم في غمرة} في جهالة وغفلة {من هذا} الكتاب الذي ينطق بالحق {ولهم أعمال من دون ذلك} وللمشركين أعمال حبيثة دون أعمال المؤمنين الذين ذكرهم {هم لها عاملون}.
حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ
{حتى إذا أخذنا مترفيهم} رؤساءهم وأغنياءهم {بالعذاب} بالقحط والجوع سبع سنين { إذا هم يجأرون} يضجون ويجزعون، ونقول لهم:
لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ
{لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون} لا تمنعون، ولا ينفعكم جزعكم.
قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ
{قد كانت آياتي تتلى عليكم} يعني: القرآن {فكنتم على أعقابكم} على أدياركم {تنكصون} ترجعون القهقرى مكذبين به.
مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ
{مستكبرين به } أي: بالحرم، تقولون: لا يظهر علينا أحد، لأنا أهل الحرم {سامرا} سماراً بالليل {تهجرون} تهذون وتقولون الهجر من سب النبي صلى الله عليه وسلم.
أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ
{أفلم يدبروا القول} يتدبروا القرآن، فيقفوا على صدقك {أم جاءهم} بل أجاءهم {ما لم يأت آباءهم الأولين} يريد: إن إنزال الكتاب قد كان قبل هذا، فليس إنزال الكتاب عليك ببديع ينكرونه.
أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ
{أم لم يعرفوا رسولهم} الذي نشأ فيما بينهم وعرفوه بالصدق.
أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ
{أم يقولون} بل أيقولون {به جنة} جنون {بل جاءهم} ليس الأمر كما يقولون، بل جاءهم الرسول {بالحق} بالقرآن من عند الله.
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ
{ولو اتبع الحق} القرآن الذي يدعو إلى المحاسن {أهواءهم} التي تدعو إلى المقابح، أي: لو كان التنزيل بما يحبون {لفسدت السماوات والأرض} وذلك أنها خلفت دلالةً على توحيد الله، فلو كان القرآن على مرادهم لكن يدعو إلى الشرك، وذلك يؤدي إلى إفساد أدلة التوحيد، وقوله: {ومن فيهن} لأنهم حينئذ يشركون بالله تعالى. {بل أتيناهم بذكرهم} بشرهم في الدنيا والآخرة.
أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
{أم تسألهم} أنت يا محمد على ما جئت به {خرجا}جعلاً وأجراً {فخراج ربك} فعطاه ربك وثوابه {خير}. وقوله:
وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
{وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم}.
وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ
{لناكبون} أي: عادلون مائلون.
وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ
{ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر} جذب وقحط {للجوا} لتمادوا {في طغيانهم يعمهون} نزلت هذه الآية حين شكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: قتلت الآباء بالسيف، والأبناء بالجوع.
وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ
{ولقد أخذناهم بالعذاب} بالجوع {فما استكانوا لربهم} ما تواضعوا.
حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ
{حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد} يوم بدر. وقيل: عذاب الآخرة {إذا هم فيه مبلسون} آيسون من كل خير. وقوله:
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ
قال تعالى {وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون}.
وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
قال تعالى {وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون}.
وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
{وله اختلاف الليل والنهار}أي: هو الذي جعلنهما مختلفين. وقوله:
بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ
{بل قالوا مثل ما قال الأولون}.
قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ
{ قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون}.
لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ
{لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين}.
قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
{قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون}.
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ
{سيقولون لله قل أفلا تتقون}.
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
{قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم}.
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ
{سيقولون لله قل أفلا تتقون}.
قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
{ملكوت كل شيء} أي: ملكه. يعني: من يملك كل شيء؟ {وهو يجير} يؤمن من يشاء {ولا يجار عليه} لا يؤمن من أخافه. وقوله:
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ
{فأنى تسحرون} تخدعون وتصرفون عن توحيده وطاعته.
بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
{بل أتيناهم بالحق} يعني: القرآن {وإنهم لكاذبون} أن الملائكة بنات الله.
مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ
{ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق} ينفرد بمخلوقاته فيمنع الإله الآخر عن الاستيلاء عليها {ولعلا بعضهم على بعض} بالقهر والمزاحمة كالعادة بين الملوك {سبحان الله} تنزيهاً له {عما يصفون} من الكذب.
عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
{عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون}.
قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ
{قل رب إما تريني ما يوعدون} ما يوعد المشركون من العذاب.
رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
{فلا تجعلني} معهم أي: إن أنزلت بهم النقمة فاجعلني خارجاً منهم.
وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ
{وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون}.
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ
{ادفع بالتي هي أحسن} من الحلم والصفح {السيئة} التي تأتيك منهم من الأذى والمكروه {نحن أعلم بما يصفون} فنجازيهم به، وهذا كان قبل الأمر بالقتال.
وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ
{وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين} نزعاتها ووساوسها.
وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ
{وأعوذ بك رب أن يحضرون} في شيء من أموري. وقوله:
حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ
{رب ارجعون} أي: ارددني إلى الدنيا.
لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
{لعلي أعمل صالحا} أي: بالتوحيد {فيما تركت} حين كنت في الدنيا {كلا} لا يرجع إلى الدنيا {إنها كلمة هو قائلها} عند الموت، ولا يجاب إلى ذلك، {ومن ورائهم} أمامهم {برزخ} حاجز بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا.
فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ
{فإذا نفخ في الصور} النفخة الأخيرة {فلا أنساب بينهم يومئذ} لا يفتخرون بالأنساب {ولا يتساءلون} كما يتساءلون في الدنيا من أي قبيلة ونسب أنت.
فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
{فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون}.
وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ
{ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون}.
تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ
{تفلح} تحرق. {وهم فيها كالحون} عابسون لتقلص شفاههم بالانشواء، فيقال لهم:
أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ
{ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون}.
قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ
{قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا} التي قضيت علينا {وكنا قوما ضالين} أقروا على أنفسهم بالضلال، وقوله:
رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ
{ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون}.
قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ
{اخسؤوا} أي: تباعدوا تباعد سخط عليكم. وقوله:
إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ
{إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين}.
فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ
{فاتخذتموهم سخريا } أي: سخرتم منهم، واسهزأتم {حتى أنسوكم ذكري} لاشتغالكم بالاستهزاء.
إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ
{إني جزيتهم اليوم} قابلت عملهم بما يستحقون من الثواب {بما صبروا} على أذاكم {أنهم هم الفائزون} الناجون من العذاب والنار.
قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ
{قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين} قال الله تعالى لمنكري البعث إذا بعثهم من قبورهم: كم لبثتم في قبوركم؟ وهذا سؤال توبيخ لهم، لأنهم كانوا ينكرون أن يبعثوا من قبورهم.
قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ
{قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم} وذلك أن العذاب رفع عنهم فيما بين النفختين، ونسوا ما كانوا فيه من العذاب، فاستقصروا مدة لبثهم، فلذلك قالوا: {لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين} أي: فاسأل الملائكة الذين يحفظون عدد ما لبثنا.
قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
{قال إن لبثتم} ما لبثتم {إلا قليلا} وإن طال لبثكم، في طول لبثكم في النار { لو أنكم كنتم تعلمون } مقدار لبثكم في القبر، وذلك أنهم لم يعلموا ذلك حيث قالوا: {لبثنا يوما أو بعض يوم} فقيل: لهم: لو كنتم تعلمون ذلك كان قليلاً عند طول لبثكم في النار.
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ
{أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا} أي: للعبث لا لحكمة من ثواب للمطيع، وعقاب للعاصي. وقيل: عبثاً للعبث، حتى تعبثوا وتغفلوا وتلهوا.
فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ
{رب العرش الكريم} أي: السرير الحسن.
وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ
{ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به} لا حجة له بما يفعل من عبادته غير الله { فإنما حسابه عند ربه } جزاؤه عند الله تعالى، فهو يجازيه لما يستحقه {إنه لا يفلح الكافرون} لا يسعد المكذبون، ثم أمر رسوله أن يستغفر للمؤمنين، ويسأل لهم الرحمة فقال:
وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ
{وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين}.