50-ق
ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ
{ق} قضي ما هو كائن إلى يوم القيامة {والقرآن المجيد} الكبير القدر والكثير الخير.
بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ
{بل عجبوا} يعني: كفار مكة {أن جاءهم منذر منهم} محمد عليه السلام، وهم يعرفون نسبه وأمانته {فقال الكافرون هذا شيء عجيب} يعني: هذا الإنكار الذي ينذرنا.
أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ
{ أإذا متنا وكنا ترابا } نبعث؟ وهذا استفهام إنكار، وجوابه محذوف، ثم أنكروا ذلك أصلاً، فقالوا: {ذلك} أي: البعث {رجع بعيد} رد لا يكون. قال الله تعالى:
قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ
{قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} ما تأكل من لحومهم {وعندنا كتاب حفيظ} أي: اللوح المحفوظ من أن يدرس ويتغير، وفيه جميع الأشياء المقدرة.
بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ
{بل كذبوا بالحق} أي: بالقرآن {لما جاءهم فهم في أمر مريج} ملتبس عليهم، مرةً يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم ساحر، ومرةً: شاعر ومرةً: معلم، ثم دلهم على قدرته فقال:
أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ
{أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج} شقوق. وقوله:
وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ
{من كل زوج بهيج} أي: من كل لون حسن.
تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ
{تبصرة} فعلنا ذلك تبصيراً ودلالةً على قدرتنا {لكل عبد منيب} يرجع إلى الله تعالى، فيتفكر في قدرته. وقوله:
وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ
{وحب الحصيد} أي: ما يقتات من الحبوب.
وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ
{والنخل باسقات} طوالاً {لها طلع نضيد} ثمر متراكب.
رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ
{رزقا للعباد} أي: آتينا هذا الأشياء للرزق {وأحيينا به} بذلك الماء {بلدة ميتا كذلك الخروج} من القبور. وقوله:
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ
{كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود}.
وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ
{وعاد وفرعون وإخوان لوط}.
وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ
{وقوم تبع} وهو ملك كان باليمن أسلم، ودعا قومه إلى الإسلام فكذبوه، وقوله: {فحق وعيد} وجب عليهم العذاب.
أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ
{ أفعيينا بالخلق الأول} أي: أعجزنا عنه حتى تعيى بالإعادة {بل هم في لبس} شك {من خلق جديد} أي: البعث.
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
{ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه} يحدثه قلبه {ونحن أقرب إليه} بالعلم {من حبل الوريد} وهو عرق في العنق.
إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ
{إذ يتلقى المتلقيان} أي: الملكان الحافظان يتلقيان ويأخذان ما يعمله الإنسان، فيثبتانه. {عن اليمين وعن الشمال قعيد} قاعدان على جانبيه.
مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ
{ما يلفظ} يتكلم {من قول إلا لديه رقيب} حافظ {عتيد} حاضر.
وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ
{وجاءت سكرة الموت} أي: غمرته وشدته {بالحق} أي: من أمر الآخرة حتى يراه الإنسان عياناً. {ذلك ما كنت منه تحيد} أي: تهرب وتروغ. يعني: الموت.
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ
{ونفخ في الصور} أي: نفخة البعث. {ذلك يوم الوعيد} الذي يوعد الله به الكفار.
وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ
{وجاءت كل نفس} إلى المحشر {معها سائق} من الملائكة يسوقها {وشهيد} شاهد عليها بعملها، وهو الأيدي والأرجل، فيقول الله تعالى:
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
{لقد كنت في غفلة من هذا} اليوم {فكشفنا عنك غطاءك} فخلينا عنك سترك حتى عاينته {فبصرك اليوم حديد} فعلمك بما أنت فيه نافذ.
وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ
{وقال قرينه} أي: الملك الموكل به: {هذا ما لدي عتيد} هذا الذي وكلتني به قد أحضرته، فأحضرت ديوان أعماله، فيقول الله للملكين الموكلين بالإنسان:
أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ
{ألقيا في جهنم كل كفار عنيد} عاص معرض عن الحق.
مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ
{مناع للخير} للزكاة المفروضة وكل حق في ماله {معتد} ظالم {مريب} شاك.
الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ
{الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد}.
قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ
{قال قرينه} من الشياطين: {ربنا ما أطغيته} ما أظللته {ولكن كان في ضلال بعيد} أي: إنما طغى هو بضلاله، وإنما دعوته فاستجاب لي، كما قال في الإخبار عن الشيطان: {إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} فحينئذ يقول الله:
قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ
{لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد} حذرتكم العقوبة في الدنيا على لسان الرسل.
مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
{ما يبدل القول لدي} لا تبديل لقولي ولا خلف لوعدي {وما أنا بظلام للعبيد} فأعاقب بغير جرم.
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ
{يوم نقول لجهنم هل امتلأت} وهذا استفهام تحقيق، وذلك أن الله عز وجل وعدها أن يملأها، فلما ملأها قال لها:{هل امتلأت وتقول هل من مزيد} أي: هل بقي في موضع لم يمتلىء، أي قد امتلأت.
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ
{وأزلفت الجنة} أدنيت الجنة {للمتقين} حتى يروها {غير بعيد} منهم، ويقال لهم:
هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ
{هذا ما توعدون لكل أواب} رجاع إلى الله بالطاعة {حفيظ} حافظ لأمر الله.
مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ
{من خشي الرحمن بالغيب} خاف الله ولم يره {وجاء بقلب منيب} مقبل إلى طاعة الله. يقال لهم:
ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ
{ادخلوها بسلام} بسلامة من العذاب {ذلك يوم الخلود} لأهل الجنة فيها.
لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ
{لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد} زيادة مما لم يخطر ببالهم. وقيل: هو الرؤية.
وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ
{وكم أهلكنا قبلهم} قبل أهل مكة {من قرن} جماعة من الناس {هم أشد منهم بطشا فنقبوا} طوفوا في البلاد وفتشوا، فلم يريوا محيصاً من الموت.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
{إن في ذلك} الذي ذكرت {لذكرى} لعظة وتذكيراً {لمن كان له قلب} أي: عقل {أو ألقى السمع} أي: استمع القرآن {وهو شهيد} حاضر القلب. وقوله:
وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ
{وما مسنا من لغوب} أي: وما أصابنا تعب وإعياء، وهذا رد على اليهود في قولهم: إن الله تعالى استراح يوم السبت.
فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ
{فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك} صل لله {قبل طلوع الشمس} أي: صلاة الفجر {وقبل الغروب} صلاة الظهر والعصر.
وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ
{ومن الليل فسبحه} أي: صلاتي العشاء {وأدبار السجود} أي: الركعتين بعد المغرب.
وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ
{واستمع} يا محمد {يوم يناد المناد} وهو إسرافيل عليه السلام يقول: أيتها العظام البالية، واللحوم المتمزقة، إن الله يأمركن أن تتجمعن لفصل القضاء. {من مكان قريب} من السماء، وهو صخرة بيت المقدس أقرب موضع من الأرض إلى السماء.
يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ
{يوم يسمعون الصيحة بالحق} أي: نفخة البعث {ذلك يوم الخروج} من القبور.
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ
{إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير}.
يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ
{يوم تشقق الأرض عنهم} فيخرجون {سراعا}.
نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ
{وما أنت عليهم بجبار} بمسلط يجبرهم على الإسلام، وهذا قبل أن يوم بالقتال {فذكر} فعظ {بالقرآن من يخاف وعيد}.