26-الشعراء
طسم
{طسم} أقسم الله بطوله وسنانه وملكه.
تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ
{تلك} هذه {آيات الكتاب المبين} يعني: القرآن.
لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
{لعلك باخع نفسك} قاتل نفسك { أن لا يكونوا مؤمنين } لتركهم الإيمان، وذلك أنه لما كذبه أهل مكة شق عليه، ذلك فأعلمه الله سبحانه أنه لو شاء لاضطرهم إلى الإيمان، فقال:
إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ
{إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين} يذلون بها، فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية الله تعالى.
وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ
{وما يأتيهم من ذكر} من وعظ {من الرحمن محدث} في الوحي والتنزيل.
فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
{فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون} فسيعلمون نبأ ذلك، وهو وعيد لهم وقوله:
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ
{كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم} من كل نوع محمود مما يحتاج إليه الناس.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
{إن في ذلك لآية} لدلالة على توحيد الله سبحانه وقدرته {وما كان أكثرهم مؤمنين} لما سبق في علمي وقضائي.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
{وإن ربك لهو العزيز الرحيم}.
وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
{و} اذكر يا محمد {إذ نادى ربك موسى} ليلة رأى الشجرة والنار {أن ائت القوم الظالمين} لأنفسهم بالكفر.
قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ
{قوم فرعون ألا يتقون} ألا يخافون الله سبحانه فيؤمنوا به.
قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ
{قال رب إني أخاف أن يكذبون}.
وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ
{ويضيق صدري} من تكذيبهم إياي {ولا ينطلق لساني} بأداء الرسالة للعقدة التي في فيه {فأرسل إلى هارون} ليظاهرني على التبليغ.
وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ
{ولهم علي ذنب} بقتل القبطي.
قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآَيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ
{قال كلا} لا يقتلونك {إنا معكم} بالنصرة {مستمعون} نسمع ما تقول ويقال لك.
فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ
{فأتيا فرعون فقولا إنا رسول} ذوا رسالة {رب العالمين}.
أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ
{أن أرسل معنا بني إسرائيل} مفسر في سورة طه، فلما أتاه بالرسالة عرفه فرعون، فقال:
قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ
{ألم نربك فينا وليدا} صبياً {ولبثت فينا من عمرك سنين} ثلاثين سنةً.
وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ
{وفعلت فعلتك التي فعلت} يعني: قتل القبطي {وأنت من الكافرين} الجاحدين لنعمتي عليك.
قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ
{قال} موسى: {فعلتها إذا وأنا من الضالين} الجاهلين، لم يأتني من الله شيء.
فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ
{ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين}.
وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ
{وتلك نعمة تمنها علي} أقر بإنعامه عليه، فقال: هي نعمة إذ ربيتني ولم تستعبدني كاستعبادك بني إسرائيل. {عبدت} معناه: اتخذت عبيداً.
قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ
{قال فرعون وما رب العالمين} أي شيء رب العالمين الذي تزعم أنك رسوله؟
قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ
{قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين} أنه خالقهما.
قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ
{قال} فرعون {لمن حوله} من أشراف قومه معجباً لهم: {ألا تستمعون} إلى ما يقوله: موسى؟! فقال موسى.
قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ
{ربكم ورب آبائكم الأولين}.
قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ
{قال} فرعون: {إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} يتكلم بكلام لا تعرف صحته.
قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ
{قال} موسى: {رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون} فقال فرعون حين لزمته الحجة.
قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ
{لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين} من المحبوسين في السجن.
قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ
{قال} موسى: { أو لو جئتك بشيء مبين } يعني: أو نفعل ذلك وإن أتيتك على ما أقول بحجة بينة؟
قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
{قال فأت به} مفسر أكثره إلى قوله تعالى:
فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ
{فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين}.
وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ
{ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين}.
قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ
{قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم}.
يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ
{يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون}.
قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ
{قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين}.
يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ
{يأتوك بكل سحار عليم}.
فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ
{فجمع السحرة لميقات يوم معلوم}.
وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ
{وقيل للناس هل أنتم مجتمعون}.
لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ
{لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين}.
فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ
{ فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أإن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين }.
قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
{قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين}.
قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ
{قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون}.
فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ
{فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون}.
فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ
{فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون}.
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ
{فألقي السحرة ساجدين}.
قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ
{قالوا آمنا برب العالمين}.
رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ
{رب موسى وهارون}.
قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ
{قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين}.
قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ
{قالوا لا ضير} لا ضرر {إنا إلى ربنا منقلبون} راجعون إلى ثواب.
إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ
{إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا} لأن كنا {أول المؤمنين} من هذه الأمة.
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ
{وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون} يتبعكم فرعون وقومه.
فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ
{فأرسل فرعون في المدائن حاشرين} يعني: الشرط ليجمعوا له الجيش، وقال لهم:
إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ
{إن هؤلاء} يعني: بني إسرائيل {لشرذمة} عصبة {قليلون}.
وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ
{وإنهم لنا لغائظون} مغضبون بمخالفتهم إيانا.
وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ
{وإنا لجميع حاذرون} مستعدون للحرب بأخذ أداتها و{حذرون} متيقظون.
فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
{فأخرجناهم من جنات} يعني: حين خرجوا من مصر ليلحقوا موسى وقومه.
وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ
{ومقام كريم} مجلس حسن.
كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ
{كذلك} كما وصفنا {وأورثناها} بهلاكهم {بني إسرائيل}.
فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ
{فأتبعوهم} لحقوهم {مشرقين} في وقت شروق الشمس.
فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ
{فلما تراء الجمعان} رأى كل واحد الآخر {قال أصحاب موسى إنا لمدركون} أي: سيدركنا جمع فرعون.
قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ
{قال: كلا} لن يدركونا {إن معي ربي} بالنصرة {سيهدين} طريق النجاة.
فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ
{فكان كل فرق} قطعة من الماء {كالطود العظيم} كالجبل.
وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ
{وأزلفنا ثم الآخرين} قربنا قوم فرعون إلى الهلاك، وقدمناهم إلى البحر.
وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ
{وأنجينا موسى ومن معه أجمعين}.
ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ
{ثم أغرقنا الآخرين}.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
{وما كان أكثرهم مؤمنين} لم يؤمن من أهل مصر إلا رجل وامرأتان. وقوله:
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
{وإن ربك لهو العزيز الرحيم}.
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ
{واتل عليهم نبأ إبراهيم}.
إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ
{إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون}.
قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ
{قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين}.
قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ
{قال هل يسمعونكم إذ تدعون}.
أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ
{أو ينفعونكم أو يضرون}.
قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ
{قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون}.
قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ
{قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون}.
أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ
{أنتم وآباؤكم الأقدمون}.
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ
{فإنهم عدو لي} أي: هذه الآلهة التي تعبدونها عدو لي، أعاديهم أنا ولا أعبدهم {إلا رب العالمين} لكن رب العالمين أعبده.
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ
{الذي خلقني} ظاهر إلى قوله:
وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ
{والذي هو يطعمني ويسقين}.
وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
{وإذا مرضت فهو يشفين}.
وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ
{والذي يميتني ثم يحيين}.
وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ
{والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين}.
رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
{رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين}.
وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ
{لسان صدق في الآخرين} أي: ذكراً جميلاً، وثناءً حسناً في الأمم التي تجيء بعدي.
وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ
{واجعلني} ممن يرث الجنة بفضلك ورحمتك. وقوله:
وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ
{واغفر لأبي إنه كان من الضالين}.
وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ
{ولا تخزني يوم يبعثون}.
يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ
{يوم لا ينفع مال ولا بنون}.
إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
{إلا من أتى الله بقلب سليم} سلم من الشرك.
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ
{وأزلفت الجنة} قربت {للمتقين}.
وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ
{وبرزت} وأظهرت {الجحيم للغاوين} للكافرين.
وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ
{وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون}.
مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ
{من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون}.
فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ
{فكبكبوا فيها} طرح بعضهم على بعض في الجحيم {هم والغاوون} يعني: الشياطين.
وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ
{وجنود إبليس} أتباعه من الجن والإنس.
قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ
{قالوا} للشياطين والمعبودين:
تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ
{تالله إن كنا لفي ضلال مبين}.
إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ
{إذ نسويكم} نعدلكم {برب العالمين} في العبادة.
وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ
{وما أضلنا} وما دعانا إلى الضلال {إلا المجرمون} أولونا الذين اقتدينا بهم
فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ
{فما لنا من شافعين}.
وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ
{ولا صديق حميم} قريب يشفع.
فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
{فلو أن لنا كرة} رجعةً إلى الدنيا، تمنوا أن يرجعوا إلى الدنيا فيؤمنوا. وقوله:
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
{إني لكم رسول أمين} على الوحي والرسالة، لأنكم عرفتموني قبل هذا الأمانة وقوله:
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
{وإن ربك لهو العزيز الرحيم}.
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ
{كذبت قوم نوح المرسلين}.
إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ
{إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون}.
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ
{إني لكم رسول أمين}.
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
{فاتقوا الله وأطيعون}.
وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ
{وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين}.
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
{فاتقوا الله وأطيعون}.
قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ
{واتبعك الأرذلون} يعني: السلفة والحاكة. وقوله:
قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
{قال وما علمي بما كانوا يعملون}.
إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ
{إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون}.
وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ
{وما أنا بطارد المؤمنين}.
إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ
{إن أنا إلا نذير مبين}.
قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ
{من المرجومين} أي: من المشتومين. وقيل: من المقتولين.
قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ
{قال رب إن قومي كذبون}.
فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
{فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين}.
فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
و{الفلك المشحون} المملوء. وقوله:
ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ
{ثم أغرقنا بعد الباقين}.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
{إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين}.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
{وإن ربك لهو العزيز الرحيم}.
كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ
{كذبت عاد المرسلين}.
إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ
{إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون}.
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ
{إني لكم رسول أمين}.
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
{فاتقوا الله وأطيعون}.
وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ
{وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين}.
أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ
{أتبنون بكل ريع} أي: شرف ومكان مرتفع {آية} علماً {تعبثون} تلعبون: يعني: أبنية الحمام وبروجها.
وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ
{وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون} أي: تتخذون مباني وقصوراً للخلود، لا تفكرون في الموت.
وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ
{وإذا بطشتم بطشتم جبارين} إذا ضربتم بالسوط، وإذا عاقبتم قتلتم فعل الجبارين الذين يقتلون على الغضب بغير حق. وقوله:
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
{فاتقوا الله وأطيعون}.
وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ
{واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون}.
أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ
{أمدكم بأنعام وبنين}.
وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
{وجنات وعيون}.
إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
{إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم}.
قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ
{قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين}.
إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ
{إن هذا} ما هذا الذي تدعونا إليه {إلا خلق الأولين} كذبهم وافتراؤهم. ومن قرأ {خلق الأولين} فمعناه: عادة الأولين، أي: الذي نحن فيه عادة الأولين يعيشون ما عاشوا، ثم يموتون ولا بعث ولا حساب. وقوله:
وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
{وما نحن بمعذبين}.
فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
{فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين}.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
{إن ربك لهو العزيز الرحيم}.
كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ
{كذبت ثمود المرسلين}.
إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ
{إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون}.
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ
{إني لكم رسول أمين}.
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
{فاتقوا الله وأطيعون}.
وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ
{وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين}.
أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ
{أتتركون في ما هاهنا }أي: في الدنيا {آمنين} من الموت والعذاب. وقوله:
فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
{في جنات وعيون}.
وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ
{ونخل طلعها} أي: ثمرها. {هضيم} أي: لين نضيج.
وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ
{وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين} حاذقين بنحتها، و {فارهين} أشرين بطرين، وكانوا معمرين لا يبقى البناء مع عمرهم، فنحتوا في الجبال بيوتاً. وقوله:
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
{فاتقوا الله وأطيعون}.
وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ
{ولا تطيعوا أمر المسرفين}.
الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ
{الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون}.
قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ
{إنما أنت من المسحرين} أي: من الذين سحروا مرةً بعد أخرى: وقيل ممن له سحر، وهو الرئة، أي: إنما أنت بشر مثلنا. وقوله:
مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآَيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
{ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين}.
قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ
{لها شرب} أي: حظ ونصيب من الماء.
وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ
{ولا تمسوها بسوء} بعقر. وقوله:
فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ
{فعقروها فأصبحوا نادمين}.
فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
{فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين}.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
{وإن ربك لهو العزيز الرحيم}.
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ
{كذبت قوم لوط المرسلين}.
إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ
{إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون}.
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ
{إني لكم رسول أمين}.
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
{فاتقوا الله وأطيعون}.
وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ
{وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين}.
أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ
{أتأتون الذكران من العالمين} يريد: ما كان من فعل قوم لوط من إتيان الرجال في أدبارهم.
وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ
{وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم} وتدعون أن تأتوا نسائكم {بل أنتم قوم عادون} ظالمون غاية الظلم.
قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ
{قالوا: لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين} عن بلدنا.
قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ
{قال: إني لعملكم} يعني: اللواط {من القالين} من المبغضين. وقوله:
رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ
{رب نجني وأهلي مما يعملون}.
فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ
{فنجيناه وأهله أجمعين}.
إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ
{إلا عجوزا} يعني: امرأته {في الغابرين} في الباقين في العذاب.
ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ
{ثم دمرنا} أهلكنا.
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ
{وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين}.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
{إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين}.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
{وإن ربك لهو العزيز الرحيم}.
كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ
{كذب أصحاب الأيكة} وهي الغيضة، وهم قوم شعيب.
إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ
{إذ قال لهم شعيب ألا تتقون}.
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ
{إني لكم رسول أمين}.
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
{فاتقوا الله وأطيعون}.
وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ
{وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين}.
أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ
{أوفوا الكيل} أتموه {ولا تكونوا من المخسرين}. الناقصين للكيل والوزن. وقوله:
وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ
{وزنوا بالقسطاس المستقيم}.
وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
{ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين}.
وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ
{والجبلة الأولين} أي: الخليقة السابقين.
قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ
{قالوا إنما أنت من المسحرين}.
وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ
{وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين}.
فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
{فأسقط علينا كسفا من السماء} أي: قطعة.
قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ
{قال ربي أعلم بما تعملون} فيجازيكم به، وما علي إلا الدعوة.
فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
{فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة} وذلك أن الحر أخذهم، فلم ينفعهم ماء ولا كن، فخرجوا إلى البرية، وأظلتهم سحابة وجدوا لها برداً، واجتمعوا تحتها، فأمطرت عليهم ناراً فاحترقوا به. وقوله:
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
{إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين}.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
{وإن ربك لهو العزيز الرحيم}.
وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ
{وإنه} يعني: القرآن {لتنزيل رب العالمين}.
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ
{نزل به الروح الأمين} جبريل عليه السلام.
عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ
{على قلبك} حتى وعيته.
بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ
{بلسان عربي مبين}.
وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ
{وإنه} وإن ذكر محمد صلى الله عليه وسلم {لفي زبر الأولين} لفي كتب الأولين.
أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ
{أو لم يكن لهم} للمشركين {آية} دلالةً على صدقه {أن يعلمه علماء بني إسرائيل} يعلمون محمداً صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة.
وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ
{ولو نزلناه} يعني: القرآن {على بعض الأعجمين} جمع الأعجم، وهو الذي لا يحسن العربية.
فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ
{فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين} أنفةً من أتباعه.
كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ
{كذلك سلكناه} أدخلنا التكذيب {في قلوب المجرمين} فذلك الذي منعهم عن الإيمان.
لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ
{لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم}.
فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
{فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون}.
فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ
{فيقولوا هل نحن منظرون} فلما نزلت هذه الآيات قالوا: إلى متى توعدنا بالعذاب؟ فأنزل الله سبحانه.
أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ
{أفبعذابنا يستعجلون}.
أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ
{أفرأيت إن متعناهم} بالدنيا وأبقيناهم فيها {سنين}.
ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ
{ثم جاءهم} العذاب لم ينفعهم إمتاعهم بالدنيا فيما قبل.
مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ
{ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون}.
وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ
{وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون} رسل ينذرهم.
ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ
{ذكرى} إنذاراً للموعظة {وما كنا ظالمين} في إهلاكهم بعد قيام الحجة عليهم.
وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ
{وما تنزلت به} بالقرآن {الشياطين}.
وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ
{وما ينبغي لهم} ذلك {وما يستطيعون} ذلك.
إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ
{إنهم} عن استراق من السماء. {لمعزولون} بالشهب.
فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ
{فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين}.
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
{وأنذر} خوف {عشيرتك الأقربين} أدنى أهلك وأقاربك.
وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
{واخفض جناحك} لين جانبك. وقوله تعالى:
فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ
{فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون}.
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ
{وتوكل على العزيز الرحيم}.
الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ
{الذي يراك حين تقوم} أي: إلى صلاتك.
وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ
{وتقلبك} تصرفك في أركان الصلاة قائماً وقاعداً، وراكعاً، وساجداً {في الساجدين} في المصلين.
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
{إنه هو السميع العليم}.
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ
{هل أنبئكم} أخبركم {على من تنزل الشياطين}.
تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ
{تنزل على كل أفاك} كذاب {أثيم} فاجر، مثل مسيلمة وغيره من الكهنة.
يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ
{يلقون} إليهم ما سمعوا ويخلطون بذلك كذباً كثيراً، وهذا كان قبل أن حجبوا عن السماء.
وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ
{والشعراء يتبعهم الغاوون} يعني: شعراء الكفار، كانوا يهجون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيتبعهم الكفار.
أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ
{ألم تر أنهم في كل واد يهيمون} في كل لغو يخوضون، يمدحون بباطل، ويشتمون بباطل، ثم استثنى شعراء المؤمنين فقال:
وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ
{وأنهم يقولون ما لا يفعلون}.
إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
{إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا} ردوا على من هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} أي مرجع يرجعون إليه بعد مماتهم.